nubian blogger

Friday, May 26, 2006

دروب عبكة – من ذاكرة طفل

دروب عبكة – من ذاكرة طفل
الجزء الاول
22-5-2006
دروب عبكة ....عثمان وفيصل عليمان بدروب ادروب" من مفردات شعبان " في 15 في البطانة وانا لا اعرفها الا قليلا ... مجمل ما مكثت هناك علي مدي 13 عاما بين 64 و 77 قبل الاغتراب الطويل في سبعينات القرن الماضي لا يتعدي بعض شهور في مجملها متناثره عبر كل تلك السنيين ... اما قي عبكة فلقد عشت سته سنوات منها اثنتان وانا طفل يحبو واربع وانا صغير دون الخامسة عشر ولكنني كنت اعرق بعض من دروبها .. قريتنا في البر الشرقي كانت مربعة الشكل طرفها الغربي حيث النيل والنخل خال من المبان الا منزليين ..احدهما كان لجدي والد والدي شيخ عبكة الذي اتي اليها كما عرفت من بدير غرب السندة وجدتي من ابي اتت من كوشة او مغركة لا اعرف ولكن كان والدها سليمان شيخ كوشة واخوها فيما بعد علي سليمان ورث المشيخة وكلهم من اسر الولياب وقي صورة اراني اياها شلبي قبل سنوات رايت بيت جدنا سليمان ذاك مازال في كوشة ..اما المنزل الاخر فكان لفنان القرية عبد النبي واخويه جمال ونوري . منزل جدي محمد خليل كان واسعا كبيرا خرجنا منه ونحن اطفال نرضع الي بيت اوسع في اقصي شرق عبكة وبقي عمي خليل وابور فيه حتي بني له منزل لا يبعد عن منزلنا الا خطوات وبالفرب من موقع المدرسة القديمة التي انشاؤها وصارت قيما بعد منزلا لعثمان كتي حكيم القرية وبالقرب منها جامع عبكة ..بني جدي من امي محمد طه – وكان رجلا فنجريا عاش مرفها مديرا لبيت مديراراضي الخرطوم الانجليزي وعندما ذهب الاخير عند الاستقلال رفض الخرطوم وحتي المنزل الواسع الكبير في الخرطوم غرب وكان ان طلب المدير تسجيله باسمه ورفض حتي اية قطعة ارض وعاد الي عبكة . وكانت عينيه تفقدان البصر تدريجيا ولكنه واصل حياته يستمع الي صوت العرب ويشرب القهوة ولقد علمني كيف اعدها وانا دون التاسعة فلازمتني حتي يومي هذا ..كان فاخر الملبس عفيف اللسان صموتا كثير التحمل والصبر .. بصره الذي كان يذهب يوما بعد يوم حدد حركته بحيث لا يخرج الي اصحابه بل ياتون اليه .. كان اصحابه الملازميين له الزائرين له بانتظام هم المرحوميين محمد حسن عوض وكان رجلا ساخر ومحمد صادق فرح وهو صاحب تجارة وعقل منظم وهدوء واحيانا حسن ابراهيم وجدي شقيق جدي صادق مورو فيتسامرون ويشربون القهوة ثم ينقض الجمع ...ما انقطعت الجلسة الا بموت محمد حسن عوض ورايت كيف يكون حزن الكبار .. كان جدي قد فقد بصره تماما لا يقدر ان يذهب الي المقابر فاتو اليه بنعش شقيق روحه فبكاه وبكيت
كان يات له محمود ابنه بكل احتياجات عام كامل من فاخر السجائر والمرفهات وياتي احمدالابن الاكبر بمثلها وانا اكون حامل مفاتيح مستودعها .. صالح الابن الثالث كان قد صار توه مدرسا في قرية تسمي النوبة بعد ان لازمه سوء حظ فلم تنجح مساعيه لدخول الكلية العسكرية رغم انه كان رئيسا للكاديت في وادي سيدنا انيق اللبس العسكري ر ئيسا لبعض من صارو اعضاء مجلس انقلاب النميري .. كان كا قيل لي ان الذي يتقدم الي الالتحاق بالكلية يجب ان يزكيه اثنين من جنرالات الجيش السوداني وقبيل التسجيل قام الاثنان الذان كانا قد وافقا علي تزكيته بانقلاب ضد عبود وهكذذا صار مدرسا .... صالح ومحمود صالحيين ياتيان في اجازاتهما احدهما قي سنوات دراسته الهندسة الاخيرة وقيما بعد مهندسا صغيرا والثاني مدرسا .. كانا يعشقان ان يمتعا انفسهما بلا حدود .. يحبان الطرب وليالي النوبة الراقصة ويمضيان كل اجازاتهما من مطلع الصباح الي مغربه قي زيارات متصلة من عبكة الي دور حيث اجداد محمود صالحيين صادق اغا وماهر اغا ثم الي دتي ومن هناك الي جزيرة محمد صالح سعيد وصادق مورو "تنونمن" ليتسامران ويرقصان مع معتصم علي طار وغناء اخيه امان الله اللاهي المتحرر من كل قيود اجتماعية صغيرة ان لزم الامر وفي طريق عودتهما يمران بجزيرةال عوض و آل ابراهيم شرقندي وان كان عكاشه في اجازته وبكري في اجازة من عمله ببريد حلفا قيتسامران معهما بعض الوقت ثم يخوضان المياه الضحلة- الي الشرق فاما منزل صالحيين شمالا او منزل محمد طه في الجنوب الشرقي فان بقي بعض من النهار فطرب ورقيص في برندة صالحيين او دهليز محمد طه والمساء من شاكله النهار لم اراهما ينقطعان يوما في تلك السنيين من الضحك والطرب كما ارادا لحياتهما ان تكون في الاجازات ... كات اجازات احمد غير اجازات صالح ومحمود ومحمود قاحمد كثير الانضباط يحسب خطواته حيدا شديد العزة بنقسه لازع اللسان شديد النقد عليم باشياء كثيرة من سياسة واخبار الدنيا فيجلس مع والده يحللان ما ق ؤه هو وما سمعه والده من اخبار حلف بغداد ومحاكمات المهداوي في العراق زمن قاسم وشتائم احمد سعيد لملك الاردن وزيارات عبد الناصر الي صديقه تيتو والسد العالي والمستر ايدن الذي كان يكرهه جدي كرها شديدا فسمي كلبه باسمه نكاية به ولو عرف ايدن بان هنالك كلب باسمه لانبسط فالكلاب عند اهل ايدن لها مكانه اهم مما يسمحون به للبشر وحتي الان .... اما محمود ابن العاصمة الاقندي فاجازته تختلف فهو بين فارقي حيث اهل زوجته وعبكة ووجود اصدقاؤه من احمد شقي ومحمد فرح وبدرالدين الملازميين للقرية مهم جدا وتزداد اهمية اجازته بوجود عابدين بيرم المقيم بعطبرة او خضر ابوككي ولعب الكتشينة هو الشاغل الاوحد له الم تكن هنالك كرة محلية او عالمية تزاع من راديو صالح العتيق ذو البطارية الكبيرة التي يتجاوز حملها كيلو غراما اول راديو يصل وادي حلفا في اوائل الحمسينات وعدد من راديوهات ترانزستور كانت قد وصلت السودان من روسيا ...
من الغرب وعند منزل محمد طه هنالك منزلنا ( منزل والدي ابودقن) مجاورا من صوب الشمال وميرغني صادق وسيداحمد اخوه مجاورا من الجنوب وبعد منزلنا شفخانة عبكة ثم الشارع الذي يتجه جنوبا الي كلي كمبو وبيننا وبين الشارع حوش غير مكتمل بنايته مقابل دكان جلال محمد صادق ومنزلهم ( وكان منزل احمد شقي خلفهم صوب الغرب) .. وبعد الحوش ذلك منزل جدتنا فاطمة محمد والمرحوم عبد القادر محمد نور – وكان رجلا انيقا مفوها لكنه يعيش معظم وقته في دبيرة حيث يعمل - ثم ياتي منزل ال بيرم ونساء ذلك البيت من ارق نساء عبكة وحبا لكل اولاد وبنات عبكة وخلف منزلهم كان هنالك منزل لم ازره الا مرة واحدة خوفا حيث كان اثنيين منا لاثاريين الاجانب رجل وامراة يجمعان بقايا الاموات من هياكل ينظفونها و يكتبون عليها ارقاما وكنا نخاف من ذلك كثيرا ثم منزلا لجدة كبيرة لا اعرف عنها لكثير ويقابل ذلك منزل خالي احمد طه وجبل عمرو في المقابل منزل ابراهيم صادق ودكان شرفو ( شريفة دهيبة - ابراهيم صادق وشرفو كانا مثالا للرقة والعطف و اللسان الحلو الحاني ) وياتي بعدهم منزل صادق عبدالله وكان شديد الايصار ببصيرة تجعله وهو اعمي البصر ان يتعرف علي القادم مهما كان طفلا طفلة شابة شابا امراة او رجل وابنه عبدالله صادق الرقيق الحاشية المثقف الهادئ الطيب ... ثم منزل من استقبلتنا كلنا حين قدومنا الي الدنيا ائشة فرح داية القرية ومن معجزات المولي عز وجل انها كانت عمياء وبصيرتها نافذه تعرف القادم من صراخه ان كان ولدا او بنتا وتسيير الليل من غير دليل الي من جاءها المخاض ..عجيب امر عبكة تلك مستودع لاعجاز الخالق ارضا وشجرا وماء وناسا .. ثم ياتي منزل محمد اريا ( والد بدرالين ومبارك وعيسي وصلاح ) وخلفه منزا ابوككي وهجله صادق ودكانهم وفي اقصي الشمال منزل بسيوني ثم منزل شقيقه عبدة كيوتي فمنزل صالحببن و البرندة الانيقة ويلي ذلك صوب النهر منزل ال حاكم ( اشه حاكم ) .. ونعود الي الجنوب فمقابل منزل محمد طه بني ابنه محمود منزلا لم يكتمل حتي رحلت القرية الي البطانة ومقابله منزل فاطمة سعيد (خليل قرناص ) ثم منزل عبداللطيف قرناص ... شمال منزل خليل قرناص ومقابل منزلنا كانت فسحة محاطة بجدار قصير ثم تصل اورو هوش وهو عدة منازل متلاصقة لاحمد شلك ومحمد ابنه الاكبر وصالح وعثمان ثم منزل احمد شلك الاخير لزوجته طاهرة .. وفي اقصي الجنوب الغربي وبعيدا عن كل البيوت تجد بيوت ال قرناص حسن ومحجوب ومنزلا صغيرا لعبدو وكان كسيحا وهو من اهلنا في الجنوب في كوشة .. خلف الشفخانة التي تجاور منزلنا كان هنالك منزلا كبير تحت الانشاء لمحمد صادق فرح وخلفه باتجاه كلي كمبو طاحونة عبدو وفي المقابل شمالا بيوت لمغتربيين من ال داته سيداحمد و محمد ومنزلا لمندو لا اظن ان راه او عاش فيه ...ومنازل لحسن ومحمد حاكم
مقابل اورو هوش كانت راكوبة شيخ القرية المرحوم احمد شلك في اوائل الخمسينات يستقبل فيها ضيوفه ويراقب منها كل اهل القرية من قادم وذاهب ثم ورثها عنه محمد شلك مع المشيخة وشاركه فيها صالح شلك ... وقريب من الراكوبة كانت هناك غرفة قديمة تسمي باشا نوق ولا اعرف اي باشا الذي كان يعيش في غرفة واحدة وكانت مجاورة لحفرة تمتد شمالا الي بعد امتار من منازل صالحيين وال حاكم وفيها مرابط لحمير واغنام لا اذكر لمن كانت بالتحديد
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

دروب عبكة – من ذاكرة طفل
الجزء الثاني
24-05-2006
فيصل .. امس اتصل صالح محمدطه ( خالي وعمك) من الخرطوم ويبدو ان تأثركثيرا بمساجلاتكم عن عبكة وقال انه سياخذها معه مطبوعة الي القرية يوم الجمعة وكانت الوالدة ( عمتكم) مسرورة به وباوراقه وبكم جميعا ....وهاكم بعض من ما تجود به الذاكرة الكهلة عن عبكة ودروبها :عبكة كما ذكرت كانت مستطيلة او رباعية الشكل بيوت من اطرافها الثلاث ووسط بعضه خال وجزء به مزارع والجزء الموازي للنيل كله نخل سوي بيت محمدخليل وال سعدالله ...شمالا وبعد المدرسه لاقل من كيلومتريين كانت ارتقو او علي بيك وكلا الاسميين شغلا فكري كثيرا وانا صغير وما زلت ..وارتقو لم تكن ارتي ( جزيرة) فكيف هي ارتفو (جزر ) ومن هو علي بيك فساكنيها كانو صادق حسين ( ال بركات) وسيدي ككو وسليمان ( ذهب عني اسمه الثاني) كان انيقا في لبس ملاحظ الصحة .. وكان هناك الحكيم نصرالله .. كان ممرضا ولكنه يقوم بكل مهام الطبيب عدا اجراء العمليات .. كان طويلا انيق الهندام نظيفه يهتم بمظهره وكلامه كثيرا لا يقول لغوا ... يعرف لكل داء دواء .. كنت اركض من عبكة الي ارتقوا علي الاقل اسبوعيا لاتي به الي والدتي بعد ان تكون حساسية لعينة قد كادت ان تقضي عليها فيحقنها بدواء فترتاح حتي اسبوع اخر ...ومرة كاد عرابي وعائشة ان يرحلا عن الدنيا حينما ارادا تحضير وجبة فته لهما الاثنين فقط - وليس انا منهم- فبدلا عن زجاجة الزيت استعملا زجاجة الفلت القاتل للحشرات وهما في مخبئهما يلتهمان جريمتهما اصابهما مغص وقئ فما كان مني الا الركض الي ارتقو لاتي بنصرالله –لحسن طالعنا الثلاث هما ارادا الفتة لهما وحدهما ولو كنت معهما لما وجدنا احدا يركض الي ارتقو في ظهر يوم عبكوي حار ... اتي نصرالدين بمعداته وافرق ما في مع معديتيهما وهكذا كتب الله لهما نجاة باذن الله علي يدي انا الذي رقضا ان اشاركهما وليمتهما...ارتقو هكذا ارتبطت عندي بنصرالله و جدتي حفيظة وابنتها راضية فكانا يسران كثيرا عند رؤيتي ومحي الدين عندما ياتي في اجازته من الخرطوم ولكن كان هناك ما يحول دائما بيني وبين ارتقو وهو " التركجيين " فاهلنا في ارتقو هم امهر صناعها في المنطقة وبراميلها السوداء هي اول ما تطالعها عند زيارتهم ... ولسبب او اخر كانت الاسماك وحصاد النيل من محرمات فاطمة خديجة ولا يسمح لنا بالتفرب منها اوذكرها وورثت ابنتي من جدتهن ذلك – رغم انهن ولدن في بلاد يها السمك اهم وجبة ويدرسن في بلاد كذلك تشتهر بحصاد البحر -.. اما انا فلم اكل سمكا الا بعد ان تجاوزت العشريين وعرفت رويال والريفيرا في العاصمة ... وبسبب التركجيين رماني عبدالله حسن ابراهيم واخاه محمد حسن في المياه الضحلة في كروور عبكة وتخيل لي حينئذ انني ميت لا محالة غريق في النيل .. ولكنهما كانا يعرفان ان المياه ضحلة واني اغرق في شبر ماء ..وكنت وانا تحت الماء كما تهيئ لي اسمع تجاني يتعارك معهما وانهما اغرقاني ولكن بعد قليل اكتشفت انه يمكنني الوقوف وعندئذذ وجدت الماء لا يكاد يصل ركبتي .. وسبب العراك هو انهما كانا عائديين الي شرقندي بعد ان اشتريا قفة مليئة بملح حجري ابيض من دكان ابوككي لزوم التركجيين وكنت وتجاني عائديين ربما من ابكانارتي او حمدان وتقابلنا عند الكوروور وعندما رايت قفة الملخ صحت " اخيييي!!!! ياابتاع التركجين العفن " وكان ما كان ..!!
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
دروب عبكة – من ذاكرة طفل
الجزء الثالث
25-05-2006
فيصل وعشاق عبكة .. ارجو وانتم تقراؤون ما اسرد ان تعوا بان ما اكتب هو ممن تمكنت ذاكرتي الكهلة المشغولة بمطالب حياة شاقة والتي تضعفها امراض عصر من سكري وضغط وقلب..الخ ومما عشته وانا طفل لاربعة اعوام فقط ليس الا .. ارجو العذر فان الذاكره تسقط اسماء ليس كونهم بعيدين عن القلب ولكنها الحياة وغربة طالت الثلاث عقود ....بوجود معظم اهالي عبكة في البر الشرقي وزيارات يوميا لمن هم في الجزر و"دور" و"دتي" و "تنو امن" اليها جعلت من زياراتنا اليها غير منتظمة او مرتبطة بحدث ....كانت اقرب الجزر الماهولة بعدد اكبر من اهالي عبكة الكبري هي شرقندي حيث ال ابراهيم وال عوض ووجود يومي لبعض منهم قي بر عبكة اما ذاهب الي وادي حلفا للعمل او للمدارس او الشفخانة او لزيارة مريض او زيارة لاهل شمالا ..الح ..كانت المسافة بين بر عبكة وشرقندي لا تتجاوز كيلومتريين من اقصي حدود عمكة شرقا حتي وسط شرقندي .. اما عبكنارتي وهي متوازية موقعا لشرقندي وكانت اصلا مهجورة في معظمها حيث رحل ال سلمان الي البر الشرقي وبقي عدد قليل هناك متمسكيين بها ويبدو لي انهم عرفو قيمتها التاريخية خير من الاسر التي قطعت الي البر الشرقي .؟.. لم ا زر عبكنارتي قبل وصول بعثات الاثار اليها في 61 الا مرتيين واحدة عندما فعل مصطفي صالحيين فعلته في ميدان الكرة بكلي كومبو واصاب يدي بشق فيها فذهبت الي حكيمة نساء عبكة زينبية - يبدو لي لو انها عاشت زمان اماني ريناس لكانت كبيرة رهبان المملكة النوبية - كانت امراة اسطورية بليغة اللسان عفيفة عارفة بامور الدنيا -وقامت بعلاج يدي كما ذكرت في كتاب سابق ومرة اخذتني الوالدة لتريني البيت الذي ولدت فيه وهو بيت جدي محمد طه في عبكنارتي وكان كبيرا وله حوش كبير به اشجار ضحمة ومحاط باشجار وعندما رايت في بيوت زينبية وساكنة اشجار فاكهة كثيرة تمنيت لو كنا ما زلنا في عبكنارتي ... كانت دهشتي كبيرة عندما وصل كثير من الاثاريين الي عبكة ثم عبكنارتي وهنا في اقصي شمال عبكنارتي كان يوجد جبل جيري(واخاله مجموعة قلاع متلاصقة اصابتها التعرية بقضل الزمن ) وليس من الجرانيت مثل كل جبال عبكة ...بدء الاثارييون بحفر ما حول ذاك الجبل ومعهم عشرات من القلاحيين من مصر وحيث انهم كانو سخيين مع من يعمل معهم من اهل عبكة فاصر تجاني ان يعمل معهم يحمل قفاف الرمل الحجري من حول مباني اثرية كانت تحت سفح ذاك الجبل ...اصابت تجاني حساسية في الصدر تحولت الي ازمة يعاني منها حتي يومنا هذا... في تلك الفترة صارت عبكة وعبكنارتي وابو صلاح (وهذذه كانت جزيرة تصل اليها بعد ان تقطع عدة مجاري عميقة لنهر النيل) وجهة الاثاريين ولا اعرف من هو صلاح الذي سميت الجزيرة باسم ابيه وكانت هناك مرقسي كلها صارت موقعا اثاريا ضخما .. امام بيوتنا في عبكة حفرت ووجدت قبور من المجموعة (أ) من النوبيين وكما ذكرت سابقا كان هناك منزل وراء بيت ال بيرم يقابل منزل خالي احمد طه به اثارييون يحملون معهم العظام البشرية التي يجمعونها من تلك القبور ثم يغسلونها ويكتبون عليها ويحفظونها في صناديق كبيرة ثم ترحل الا حيت لا نعلم .. وحيث اننا كنا نخاف من المقابر عموما فلم نتجرءعلي دخول ذ لك المنزل حتي اشهر عفاريت عبكة من فيصل وجعفر لم يتجرأ علي ذلك فلقد كانو عفاريتا علينا نحن-الغلابة- فقط يزاولون اساليبهم الشيطانية علينا ولكن عندما يكون الامر متعلقا بعفاريت حقيقية فهم اول من يركض كما كانو يفعلون عند مزرعة محمد شلك القريبة من المقابر .... فيما بعد عرفت ان هيرمان بل واثاريون اخرون نعرفهم اليوم هم الذين كانو هناك وكان احمد محمد صادق فرح يتكلم انجليزية تؤهله ليكون مترجما لهؤلاء الاثاريين ومن فضل احمد محمد صادق علي النوبيين انه جعل هؤلاء الاثاريون يتحدثون النوبية و فيما بعداهتم بعض منهم بها كلغة اصيلة تستوجب فك طلاسمها ...وعند ذكر الاثار لا يمكننا تجاوز ما كنا نسمع عن الاثاريين الذين كانو يحملون تماثيل الذهب منذ عقود من جبال ومخابئ عبكة الاثرية ويسافرون شمالا الي بلادهم مستغليين احترام اهلنا لمقابر اجدادهم النوبيين الملوك وما الحكايات عن لعنة تصيب كل من يقترب من اثار اجدادنا وتخويف اهلنا بثعابيين قا تلة في جبال عبكة التي كانت متحفا لكل تاريخ النوبة الا من نسج خيال سارقي الاثار هؤلاء ليزاولو جريمتهم بحرية .. حتي الجعاريين الحجرية الصغيرة التي كانت توجد في جبال بين عبكة ودور كنا نخشي ان نلمسها بينما هم يجمعونها ولا نري الثعابيين اياها مطلقا .... وكذلك لا يمكننا تجاوز موسوعة شباب عبكة المرحوم خالد احمد خليل اول من زار الغرب( اوروبا ) من عبكة وربما من كل المناطق المجاوره والذي راي كذلك امريكا في زمن كان عدد السودانيين الذيين يقطعون المحيط اليها جد قليل ... وسمعت ان بعثة اثار من اسكندنافيا اهتمت بذاك الطفل الالمعي في اربعينات القرن الماضي واحتضنته واهتمت به .. ولكن ما ذكرت اثار عبكة الا وكان خالد في السيرة ... كان احد اساطيير عبكة مهتما بكل تكنلوجيا جديدة يراها في سفره الكثير الي الغرب وياتي بها ..كان يمتلك احدث الكاميرات وادوات التسجيل الصوتي والمرئي ..كان يذهلني بقدرته العجيبة – التي لا ينافسها فيه احد سوي علي احمد ابراهيم ومحمد حسن ابراهيم- في زيارة كل اهل عبكة الكبري بجزرها عند كل اجازة واصرار علي صلة للرحم مهما كانت المشاق ...وعند عبكنارتي لا يمكن ان تتجاوز صالح حجر وجنيهة ..لكنني عرفتهما قبل حضوري الي عبكة في 56 كانا في كوستي حيث كنا ... اتذكر لهما كمال كان اصغر مني بضعة اعوام ولكنه وارث لذاكرة جدته زينبية وشطارتها و علم خاله لم اراه منذ عقود كثيرة ...وغربا عن طريق شرقندي تصل ال تنوامن " اوالمياه الجنوبية " ( هكذا كما ذكرنا فان الاتجاهات هي التي كانت تشيير الي بيوت الاسرة الواحدة ) وفيها فصيح عبكة وكبير معلميها المرحوم محمد صالح سعيد .. شخصية عبكوية اسطورية نادرة التكرار .. كان نوبيا ويصر علي انه شيخ العرب وكان و عليما بالسياسة مرفها في ملبسه وماكله وحياته .. لبيرالي الطبع...مهاب الجانب ان لزم الامر رقيقا محبا لاسرته يدلل بناته وابنائه حتي في كبرهم ....كان يملك جهاز اسطوانة " هار ماجستي فويس " من زمن الملكة فيكتوريا ويستمع من خلاله لانغام الشرق الاصيلة ... وكان فيها صادق مورو – جدي شقيق جدي محمد طه وزوج عمتي - لم اراه يوما متجهما او عابسا كان مبتسما ..ياخذ الدنيا كما هي غلابا .. وفيها – اي تنو امن-من الاهل ما لم تسعفني ذاكرتي الكهلة باسمائهم ..تتجه جنوبا بضعة كيلومترات فتجد " دتي" وكثير من اهل بر عبكة هم من دتي او ان امهاتهم من دتي .. فيها ال شقي وداوود امنة وال موسي وآل"قماري" ( وهم قصار القامة دون اهل دتي الفارعي الطول من ال شقي )... طيبون ودودون نزورهم في الاعياد مشيا علي الاقدام قيحتفوا بنا ايما احتفاء بتمر طيب لا يوجد الا عندهم واسلي وكعك وشرقا منهم "دور" وهي معقل ال آغا والسني ... ودور اقرب الي بر عبكة كثيرا لا يفصلها الا مسافة خالية لا تتعدي كيلومتر وجبال كثيرة ...الطريق اليها كان سهلا فلذا فتحرك الاهل بين عبكة ودور كان كتحركهم بين شرقندي وعبكة .يومي .. ودور كان تقيها شيخها ماهر اغا وتاجرها السني وكلهم حفيين بك ان زرتهم ينسوك انك لست في غرفتك(بيتك) ببر عبكة.....